عبد الملك الجويني
173
نهاية المطلب في دراية المذهب
ووجه ذلك أنه كما صرف صورة السجود عن الصلاة ، فيصرف الهوي عن الصلاة ، فَلْيَعُدْ إلى ما كان ، فكأنه لمْ يهوِ ، وليبتدىء الهوي ، فهذا وجه في الاحتمال . والأظهر عندي أن يعتدل جالساً ، ثم يسجد ، وعلة ذلك أن الجلسة كافية في الفصل بين السجدتين ، فليقع الاكتفاء بها الآن ، والذي يسجد السجدة الثانية ، يسند سجدته الثانية إلى فاصل يبني عليه ابتداء السجود الثاني . وكان من الممكن أن يؤمر بالقيام والهوي منه إلى السجدة الثانية ، فلما لم يرد الشرع بهذا دلّ أن القعود كافٍ ، فعلى هذا لو قام - ونحن نكتفي بالقعود - فهذا زاد قياماً في صلاته من غير حاجةٍ ، وسأقرر هذا إن شاء الله تعالى عند ذكري زيادة الأركان قصداً في أدراج ذكر الأفعال الكثيرة والقليلة إذا جرت . فهذا أحد الأمرين في تتمة الفصل . الثاني - أنه قد يتخالج في نفس الفقيه أن المصلي مأمور بأفعاله ، فإذا جرت حركات الهوي ضرورية ، فيستحيل أن تقع مأموراً بها ؛ فإن المأمور به يجب قطعاً أن يكون فعلاً للمكلّف . فالوجه في التفصِّي ( 1 ) عن هذا ، أن هذه الحركات غير مقصودة ، وإنما الغرض الإتيان بالسجود ، ثم يقال عند ذلك : فالسجود لم يقع أيضاً مقصوداً ، وهو مقصود قطعاً . وقد مضى في صدر الكلام أن استدامة السجود لا يقع موقع ابتدائه . فالذي أراه - وإن نقلت ما ذكره الأصحاب - أنه لا يعتد بهذا السجود ، ولا يكفي ، فليعتدل قائماً ، ويسجد ( 2 ) سجدةً عن الاعتدال . والشافعي رحمه الله فرض المسألة فيه إذا سقط على جنب ، ثم استقام واستدَّ ، فقد حكيت ما ذكره الأئمة ، ثم اختتمت الكلام بما عندي فيه . والله المستعان .
--> ( 1 ) " التفصي " : أي الخروج عن هذا الاعتراض المفهوم من الكلام ، من قولهم : تَفَصى من الشيء ، وعنه ، إذا تخفص منه ( المعجم ) . ( 2 ) في ( ت 1 ) ، و ( ت 2 ) : وليسجد ، و ( ت 2 ) بدون " قائماً " . ومثلها جاءت ( ل ) بدون " قائماً " .